نشرة الأقصى الإلكترونية

هل تفجر أمريكا خزان البارود في وجه العالم؟!

 

أ. د. سليمان صالح

 

تشبيه خادم الحرمين الشريفين الوضع في المنطقة بخزان البارود هو قراءة صحيحة للواقع، وشجاعة في التعبير عنه. لكن هذا الخزان يمتد عبر خريطة الوطن العربي كله، وعندما ينفجر هذا الخزان الرهيب فإن النيران التي ستندلع منه سوف تصل إلى مراكز الاستعمار في أمريكا وأوروبا، وستحرق الاستراتيجية الأمريكية للسيطرة على العالم، والهيمنة الرأسمالية، والنظم الاستبدادية .

إذا انفجر الخزان فقد يحترق العالم كله بالنار، وسوف يخسر الجميع. لذلك فإن مصلحة البشرية تكمن في عدم انفجار هذا الخزان، وتفريغ البارود منه، وهذا يحتاج إلى شجاعة وحكمة وقراءة دقيقة للجغرافيا والتاريخ .

ولكن من ملأ الخزان؟ !!

إن معرفة المشكلة بكل أبعادها، وتشخيص المرض من أهم الأسس التي يمكن أن يبنى عليها الحل، ووصف الدواء. تلك حقيقة يحتاج من يريد أن يفرغ خزان البارود أن يستوعبها ويتعامل معها .

تحديد المسؤولية عن صنع هذا الخزان أصبح ضرورة، وكل إنسان في العالم أصبح يعرف أن الولايات المتحدة الأمريكية هي التي ملأت الخزان بالبارود وهي التي ستفجره بأطماعها الاستعمارية، لكنه سينفجر في وجهها .

لقد ملأت أمريكا الخزان الضخم بالسخط والغضب العام بانحيازها المطلق ل"إسرائيل". لقد كان الظلم الذي تعرضت له الأمة العربية نتيجة إنشاء "إسرائيل" وتمكينها من احتلال فلسطين وطرد شعبها وارتكاب المذابح ضدهم من أهم مكونات خزان البارود.. وهو الذي سيؤدي إلى انفجار هذا الخزان.

إن العالم يجب أن يدرك أن كل مسلم على وجه الأرض يشعر بعذاب الضمير لاحتلال "إسرائيل" للقدس، وهو على استعداد للتضحية بالحياة من أجل تحرير المسجد الأقصى حيث إن له مكانة مقدسة فهو مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو القبلة الأولى للمسلمين والحرم الثالث.. وهو ملك للأمة الإسلامية كلها لا يجوز لأحد مهما كان أن يتنازل عن أي جزء منه. وسوف يحرر المسلمون القدس يقيناً كما حرروه من قبل من أيدي الصليبيين، وسوف يفتديه المسلمون بأنفسهم وأموالهم وأولادهم .

لذلك فإن احتلال "إسرائيل" للقدس هو أهم مصادر البارود الذي يتراكم في الخزان الضخم، وإذا كانت زيارة شارون للمسجد الأقصى قد أشعلت الانتفاضة الثانية، فإن أية محاولة إسرائيلية للمساس بالمسجد سوف تفجر الخزان في وجه "إسرائيل" وأمريكا والعالم كله .

ونذر الخطر تتصاعد، ف"إسرائيل" تنفذ مخططات متواصلة منذ عام 1967 للحفريات أسفل المسجد الأقصى، بحجة البحث عن آثار تثبت وجود هيكل سليمان أسفل المسجد.. وهناك الكثير من الجماعات الصهيونية والأمريكية تخطط لتدمير المسجد لبناء الهيكل مكانه. وفي حالة نجاح هذا المخطط فإن خزان البارود سينفجر في وجه العالم كله، وسيحدث دماراً شاملاً .

من يريد أن يتجنب هذا الدمار، ويجنب البشرية كلها شراً مستطيراً فإنه لابد أن يمنع هذا الاحتمال. إن منع الخزان من الانفجار يتطلب حلاً واحداً هو إنهاء الاحتلال الإسرائيلي، وإقامة دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشريف .

هذا هو الحل الذي يمكن أن يقلل احتمالات الانفجار، وينزع الفتيل. أما حصار الشعب الفلسطيني وتجويعه وارتكاب المذابح لإرغامه على التخلي عن خياره الديمقراطي فسيزيد الغضب والسخط، ويجعل بإشعال الفتيل في خزان البارود .

وحماس لن تعترف ب"إسرائيل"، فهي طليعة الأمة ودليل على قوتها وصمودها وصبرها وكفاحها وجهادها وإصرارها على تحرير فلسطين مهما طال الزمن واتسعت الجروح وزاد الألم .

والأمة مستعدة لتقديم ملايين الشهداء من أجل تحرير فلسطين، وكل مسلم يعد نفسه وابنه للشهادة على أبواب القدس. تلك حقيقة أستطيع أن أثبتها بقياس حقيقي للرأي العام في العالم الإسلامي كله .

لذلك فإن حصار الشعب الفلسطيني، ونسج المؤامرات لإفشال حكومة حماس أو إقالتها هو لعب بالنار التي ستشعل خزان البارود .

يجب أن تدرك "إسرائيل" وأمريكا أن شعب فلسطين الصابر الصامد القادم لن يتخلى عن حماس، والأمة الإسلامية لن تتخلى عن شعب فلسطين، ولم يعد أحد يثق في تلك الحلول الأمريكية مثل خريطة الطريق. ولذلك فإن الحل الوحيد الذي يجنب العالم انفجار خزان البارود هو انسحاب "إسرائيل" الكامل وغير المشروط من الأراضي التي احتلتها عام 1967، وإقامة دولة فلسطينية كاملة السيادة عاصمتها القدس .

وطرف الخزان في العراق

لكن الخزان يمتد إلى العراق، فهناك جزء كبير منه، وهو معرض للانفجار بأسرع مما نتوقع. والولايات المتحدة ملأت الخزان الضخم بالبارود يوم قامت بغزو العراق وقتلت على الأقل 655 ألفا من أهله، ودمرت مدن العراق الجميلة، وأذلت شعب العراق الأبي، وارتكبت جرائم التعذيب الوحشية في أبي غريب، وكشفت نفسها أمام العالم، فأمريكا دولة بلا أخلاق أو حضارة أو ضمير. لكن أمريكا وقعت في الخزان الذي ملأته بالبارود، والمقاومة العراقية أثبتت للبشرية كلها أن أمريكا بكل ما تملكه من أسلحة متطورة معرضة للهزيمة والسقوط والفشل .

الحل الوحيد أمام أمريكا الآن هو الانسحاب من العراق والاعتراف بالهزيمة. إن كل يوم يمر يكلف أمريكا ثمناً باهظاً، وهي لن تستطيع أن تدفع ثمن البقاء في العراق لسنوات قادمة .

لقد أصبح هناك خزان بارود آخر في أمريكا نفسها يوشك أن ينفجر غضباً وسخطاً وكراهية لبوش وإدارته وسياسته الفاشلة، والشعب الأمريكي لن يتحمل طويلاً، وسوف تخرج المظاهرات قبل أن يكمل بوش مدته لترغمه على الانسحاب صاغراً ذليلاً مهزوماً .

لذلك فإن خزان البارود سيمتد من بغداد إلى واشنطن، وسيكون الانفجار مدوياً، وسيكون لهذا الانفجار تأثيره المدمر على الاقتصاد الرأسمالي المعولم أو المتأمرك .

والانسحاب السريع من العراق هو وحده الذي سيمنع انفجار الخزان داخل أمريكا، ومن المحتمل أن تشهد الشهور القليلة القادمة قراراً أمريكياً بالانسحاب السريع .

لكن أمريكا تحاول أن تشعل الحرب الأهلية في العراق، وذلك سوف يشعل خزان البارود في منطقة الخليج كلها، وسيكون لهذه الحرب آثارها المدمرة على المنطقة .

من مصلحة دول الخليج كلها وإيران ألا تشتعل تلك الحرب الأهلية المدمرة في العراق، وأن يتم التوصل إلى مصالحة حقيقية بين الشيعة والسنة في العراق يتم خلالها استبعاد عملاء أمريكا الذين يرون أن الضمان الوحيد لوجودهم وحياتهم هو الاحتلال الأمريكي .

وأمريكا تستخدم عملاءها لإشعال الحرب الأهلية في العراق لأنها تعتقد أن ذلك هو الحل الوحيد بالنسبة لها، وأن هذه الحرب ستقلل هزيمتها وخسائرها وفشلها.. لكن تلك الحرب ستثير الاضطرابات في منطقة الخليج، وهذا سيزيد أزمة أمريكا وفشلها حيث سيتصاعد العنف، ولن يجلب الدمار سوى المزيد من الدمار والخراب والفوضى .

والفقر يفجر الخزان أيضاً

هناك مصدر آخر للانفجار والدمار والموت هو الفقر الذي يزداد خطره كل يوم، ويحصد أرواح الملايين في أفريقيا .

والرأسمالية الغربية تتحمل المسؤولية كاملة عن هذا الفقر فهي التي استغلت الدول الأفريقية وسلبت ثرواتها وأفقرتها. وهي التي نسجت المؤامرات لتمنع دول أفريقيا خاصة السودان من تحقيق التنمية والتقدم .

والثورة ضد الفقر سوف تنتشر في كل أفريقيا، الفقراء الجائعون لن يستسلموا للطاغوت الرأسمالي وسوف يبحثون عن الحرية والعدل ولن يجدوها إلا في الإسلام، ولذلك فإن الإسلام سيقود ثورة الفقراء في أفريقيا ضد الاستبداد الغربي، لكن أمريكا سوف تستخدم الدول التابعة لها مثل أثيوبيا لشن الحرب ضد الصومال، وهو ما سيزيد من احتمالات اندلاع الصراع الإقليمي في القرن الأفريقي، وسيمتد هذا الصراع عبر خريطة أفريقيا كلها .

والديمقراطية الزائفة

هناك مصدر آخر للنيران التي ستفجر خزان البارود هو الديمقراطية الزائفة التي تريدها أمريكا طبقا للمواصفات التي صممتها طبقاً لمصالحها ولكن الشعوب تريد الديمقراطية لتحقيق الحرية والعدل ولبناء مستقبلها وتحقيق استقلالها وحماية هويتها. ولذلك فإن الشعوب في المنطقة كلها تختار التيار الإسلامي لأنها تدرك أنه الوحيد الذي يمتلك مشروعاً حضارياً يحقق النهضة والتقدم والاستغلال ويتفق مع طموحاتها للتحرر .

لكن أمريكا لا تريد تلك الديمقراطية ولا تحترم اختيارات الشعوب وحقها في تقرير مصيرها ولذلك فإن سلوكها السيئ نحو الشعب الفلسطيني، وقيامها بفرض الحصار عليها، وإرغام النظم التابعة لها على الالتزام بهذا الحصار يوضح حقيقة النفاق الأمريكي، وأنها سوف تقوم بفرض الحصار على الدول التي سيصل فيها التيار الإسلامي إلى الحكم عبر الانتخابات الحرة .

إن كل ذلك سوف يزيد كراهية الشعوب للسياسات الأمريكية المنافقة، إن أمريكا هي التي ستفجر خزان البارود بأطماعها واستكبارها وغرورها، لكن من المؤكد أنه سيحرقها .


للحصول على نشرة الأقصى الإلكترونية، يرجى التسجيل في القائمة البريدية للموقع:

alaqsa_newsletter-subscribe@yahoogroups.com

عودة