نشرة الأقصى الإلكترونية

نهار حماس يمحو ليل الاستكبار

15/12/2006

رشيد

 

 

درجت العادة عند الأمم الحية أن تخلد عظماءها أفرادا ومؤسسات بالكتابة عنهم؛ والتأريخ لسيرهم؛ وتسليط الأضواء على ما أفاضوا به على مجتمعاتهم من نبوغ وفائدة وقيمة عظيمة ساهمت في حمايتها وترقيتها. وليست الكتابة عن حماس كأي كتابة عن جماعة مبرزة أو مؤسسة مبدعة؛ فليس التعلق بحماس تقليدا باليا يجدد بتكلف وافتعال مرة كل عام ثم ينفض السامر؛ لأن التعلق بحماس حيوي يضج بالنشاط ويتفجر طاقة تفجر الدماء من عروق شهدائها؛ وليس الثناء على حماس مدحا منا نحن الجمهور ككيان منفصل على جهة محسنة تتمايز عن فريق المعجبين؛ فأكثر ثناءنا على حماس هو تلميح وتصريح برغبتنا الملحة في تحصيل الحماية والرفعة والانتصار والسؤدد. انه حب الصالحين والتعلق بهم؛ وحب التخلق بأخلاقهم وصفاتهم والإعجاب بهم والوقوف تحت لوائهم ولو قصرت بنا نفوسنا الضعيفة دون أقدارهم.

ومحبة الصالحين أمر عجيب يبعث في النفس لذة عجيبة؛ ويستدعي لدى أقسى القلوب التي فرطت في جنب الله مشاعر الاخوة الاسلامية ويجبرها على أن ترق وتلين وترسل الأدمع من مآقيها. كذلك هو حب محمد صلى الله عليه وسلم لمن فهم سيرته وتدبرها وتدبر سيرة صحابته العظام؛ وكذلك هو حب الفاتحين والقادة والمجاهدين ممن اتبعوهم باحسان؛ وكذلك هو حب حماس...هو رعدة تنفض كل شعرة في بدن المرء فخارا ورهبة وتفتح حدقات عينيه على وسعها وهو يقرأ السطور الأولى من بيان القسام الذي تعهد بتسديد حساب الحرم الابراهيمي كاملا؛ من حيث يقول:"إن قيادة الكتائب درست الأبعاد الحقيقية للمجزرة، وقررت بالإجماع توجيه الرد المسلح من خلال خمس مراحل، كل مرحلة ستجعل الجيش الإسرائيلي والمستوطنين يبكون دماً على قتلاهم"! انني أتحدى كل مسلم عاش تلك الأيام وأدرك ما كان يلحق بفلسطين من أذى؛ وتسامع بأخبار مذابح البوسنة المتقدة في حينه؛ وأخبار مذابح المسلمين القديمة الجديدة في غير مكان في آسيا بين كشمير وميندناو؛ ثم أدرك مجزرة الحرم الابراهيمي - أقول أتحدى هذا المسلم ان كان يقوى على أن لا يشعر برغبة ملحة بالوقوف وضرب التحية كلما قرأ هذا البيان لغرفة عمليات القسام؛ لا لأنها صدقت الوعد وانتقمت لمذبحة الحرم وحسب؛ بل لأنها قدمت اعتمادا مصرفيا ثقيلا لكرامة المسلمين وعزتهم؛ وهو اعتماد لم تستطع اسرائيل ولا كل قوى الشر معها انكار ثقله وموثوقيته!

ان الفعل الحماسي الباديء من ليلة الانطلاقة المباركة؛ والمستمر حتى هذه اللحظة التي يهم فيها مئات المقاتلين القساميين بالمرابطة على ثغور قطاع غزة هو صناعة للتاريخ الاسلامي الحديث؛ وحين يقضي الله أمرا كان مفعولا؛ وندخل نحن أو أولادنا المسجد كما دخله أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أول مرة؛ ويتم الأمر لكلمة الله في فلسطين؛ سيفرغ المؤرخون لدراسة دور الفعل الحماسي وايفائه حقه كاملا؛ وسيكتبون أن انطلاقة حماس كانت لهذا الجيل من الأمة كما كانت بدر للمدنيين؛ وكما كانت اليرموك لفتوح الشام؛ بل كانت توفيقا ربانيا من نوع ما وفق الله به أبا بكر الصديق اذ حمى بيضة الاسلام واستأصل شأفة المرتدين...سيكتبون عن حماس وسيستوقفهم بيان تسديد حساب الحرم الابراهيمي؛ وبيان الانطلاقة؛ وبيانات الانتفاضتين؛ وأول بيان كتب في عملية استشهادية؛ وأول بيان كتب في قصف صاروخي؛ وأول تسجيل لهجوم تحت أرضي؛ وستتكاثر على المؤرخين الأحداث الكبيرة؛ والصنائع العظيمة لجند حماس وقادتها ومجاهديها؛ فلا تعود ذاكرتهم تقوى على حفظ أسماء المهندسين والقادة الميدانيين؛ ولا تعود تدري كيف تفرق الحدث المهم من الأهم في هذه السيرة العطرة؛ والتي يبدو كل ما فيها عليا؛ حلو أوله وآخره وأوسطه؛ يتنافس فيه الى جنان الرحمن رجال سابقهم الى الفضل فتية وأحداث ونساء كريمات حرائر!

أما أنا فلن أنتظر هؤلاء المؤرخين فقد تكون أيامهم غير أيامي؛ ولن أنتظر انعدال موازين ومكاييل أرباب الاعلام العربي المعاصرين الذين وضع أكثرهم الرفيع ورفع الوضيع؛ ولن أقف حسرة محزونا على هذا الاهمال الذي يلحق بأسطع ظاهرة في التاريخ العربي الاسلامي المعاصر؛ فمعرفة قدر العظام مكرمة للعارف؛ ومن لا يعرف لأهل الفضل فضلهم فهو محمق أبعده الله وأخزاه؛ ولا حاجة لنا به!

ويبقى مهما في سياق الكتابة في مآثر حماس أن نتجاوز درجة الثناء عليها بما هي أهل له الى الامعان في تسليط الضوء على أكثر جوانب تفوق حماس أهمية ووضوحا؛ ولذلك لا بد من الوقوف عند السؤال الهام: الآن وبين يدي الذكرى التاسعة عشر للانطلاقة؛ أين هي حماس من مشروعها وبيانها الأول؛ وما هي صورة مآلات أفعال وسيرة حماس لمن يقرأ المستقبل بمعطيات ما تقدم من ماض قريب وحاضر حي؟

تبدو حماس الآن فتية بعشرين عاما زادتها شبابا؛ ولا تزيدها الأيام الا صحة وحيوية وقوة؛ ولا تكشف منها الا عن سيف صقيل ومعدن أصيل؛ وتبدو قيمة فعلها في كل مرحلة من تاريخ جهادها كبيرة كبر كل ما مضى من تاريخها... وتاريخها هذا القصير زمنيا بجنب عمر الحضارات ضخم زاخر طويل زخم بالأحداث العظيمة التي حرقت مراحل سريعة في رسم مشروع انتصار الأمة وصحوتها؛ وسباكة هيكل الطائفة المنصورة وكسوة هذا الهيكل لبنات وجدران وحيطان...بل في عام واحد كعامنا هذا قيض الله لحماس من الفضائل ما لا يحصى؛ ففي شهور قليلة جمع الله لحماس اجتماع كل قوى الاستكبار والظلم والغشم في الدنيا عليها؛ فشاركت أحرار العالم نضالهم ضد جشع القوى الرأسمالية التي لا يحد طمعها حد؛ وقاسمت شعوب العالم الاسلامي ضيقهم العام بحرب قوى الشر على هذه الأمة؛ وأخذت سهمها من عداء أمريكا وبريطانيا حين اشتركت الدولتان في تشديد الحصار عليها؛ فما تركت حماس للمجاهدين في خراسان وفي العراق ان يتفضلوا بمنازلة عدو لم تجرد له حماس كتائبها؛ بيد أن حماس تفردت على الأمة جمعاء واصطفاها الله من دون خلقه للذود عن بيته الحرام أول المسجدين وثاني القبلتين وثالث الحرمين الشريفين؛ واختارها الله لصون تراث بعث أسامة والداروم وأجنادين وحطين وعين جالوت.

ولم تنته مآثر هذا العام بعد...فحماس وقد جاءت بيعة الأمة لها تسديدا وتصديقها وتأييدا من الله عز وجل - حماس هذه أكرمها الله بأن كشف على يديها نفاق المنافقين المحض؛ فتعرت كل برامج الخونة والعملاء في فلسطين وفي العالم العربي من كل لبس كانوا يلبسون به على السذج؛ وبان لكل ذي بصر أن ما عليه هؤلاء هو افك صرف لا حق فيه؛ وكشفت مصابرة حماس الوسخ في نفوس هؤلاء الدنسة؛ وعرتهم من آخر ما كانوا يتسترون به من حجج لانحرافهم واعوجاجهم...ناهيك طبعا عن تجدد الجولات مع انكشاف النفاق الغربي الذي صد عن طيب حماس وأقبل على خبث ليبرمان؛ ولا غرو؛ فهذا هو الغرب الذي النفاق معدنه! والكيل بمكيالين سمته وصفته!

وأهم من هذا الانكشاف لكل مواقع الاستكبار في كل أرجاء الأرض ما انتهت له حال كتيبة الاستكبار المتقدمة في فلسطين؛ ورأس حربة المشروع الشيطاني في هذا العالم: الكيان الصهيوني. ان المؤمن القاريء للقرآن العارف بسنن الله في كونه وخلقه لا يستطيع أن الا أن يقرأ البشارة في الزيادة في عمر حماس الفتية؛ ولا يرى الأيام الا تزيد في شباب هذه الحركة وقوتها؛ وتنقص من قوة الكيان الغاصب العادي؛ فبيد الله جاريا على أيدي المجاهدين من حماس من مقادير الله فر الصهاينة من القطاع؛ وشيعوا مئات القتلى؛ ودفنوا معهم مشروع اسرائيل الكبرى؛ ودفنوا معه خطوطهم الحمر بخصوص تفكيك المستوطنات؛ وتبارز أكثر مفكريهم ومؤرخيهم حرصا على الموضوعية في اطلاق التحذير شديد اللهجة من أزمة وجودية للكيان - هذا الكيان الذي أخذ يعد قتلاه؛ ويروي سير هزيمته؛ ويقف جنوده وساسته حيارى أمام صلابة المجاهد من حماس خاصة؛ والمقاوم العربي عامة؛ ولعل ألصق هؤلاء ببعد النظر وأقربهم رحما بكعب بن أسيد يرى ما رأى حين فهم أن أجل قريظة قد حان ولم يبق الا دق الأعناق!

على أنه يجب أن يكون مفهوما أن هذه ليست دعوة لازدراد الأوهام والتسلي بها؛ فأشد ساعات الليل حلكة هي تلك التي تسبق الفجر؛ واسرائيل لن ترضى أن تزول عن الوجود - وهي زائلة لا محالة - دون محاولة تحصيل ثمن باهظ من دمائنا ومقدراتنا؛ لكن عزاء الأحرار في هذه التضحيات أنها سنة الهية في صفة الحرب بين الخير والشر؛ حيث لا ينزل الشر عن موقعه دون أن يقاوم بكل قسوة؛ بيد أن النصر في الناهية هو لسيف في يد مؤمنة يشدخ يافوخ الكفر؛ ويكسر رأس الاستكبار؛ ويقصم ظهر الباطل!

لهذا كله يحظر عليك أخي المسلم أن ترى في هلاك شارون؛ وما نقلته الأنباء عن خرف شامير الذي ما عاد يعرف من حوله؛ وباقي أمارات فساد قيادة الكيان وتضعضعه وتفرق أمرهم أيدي سبأ - يحظر عليك أن ترى هذا ثم تنظر الى الناحية الأخرى صوب حماس فترى صفة الطائفة الظاهرة على الحق ولا تستبشر بخير الله وفضله؛ ولا تعتقد اعتقادا جازما يبلغ درجة اليقين أن ما نشهده من تغيير واضطراب هو المخاض الذي يميز حزب الله وجيش محمد من كل من سواهم تمهيدا لتسليم مفاتيح المسجد لهم! فتنزل قريظة كرة أخرى على حكم سعد؛ ويخلي عمر خيبر ساعة يشاء؛ ويهزم الجمع الشركي العالمي ثم يولون الدبر بكل أجنداتهم ومشاريعهم المعادية للأمة!

ولنا مع قوله تعالى "سيهزم الجمع وسيولون الدبر" وقفة؛ فعمر الفاروق فاتح فلسطين وأول عمدة فخري لعاصمة بلادنا؛ رأى كما يروي الأثر أنها آية فسرت بما استقبل لاحقا من أحداث الزمان؛ فحين نزلت الآية المكية لم يجد عمر لها تأويلا حاضرا؛ بيد أنه بنور الله فسرها لاحقا وهو ينظر الى مصارع أشياخ قريش في القليب بأنها نصر الله عباده في بدر وهزيمة المشركين فيها!

ولذلك؛ وبحق الله؛ وبفضل رحمنا بعمر عميد المسجد والقبلة الأولى فاننا نقرأ قوله تعالى:

والليل إذا أدبر...
والليل إذا عسعس...

ونقسم بيقين المؤمن أن ليل الاحتلال والاستكبار الى زوال وانقشاع

ثم نقرأ قوله تعالى:
والصبح إذا أسفر...
والنهار إذا جلاها...

فنقطع باذن الله أن شمس حماس ستبدد ظلمات وساوس المنافقين؛ وستمحق آخر قطع الليل الصهيوني في أرض فلسطين

كل هذا ان شاء الله تعالى تحقيقا لا تعليقا؛ وبثقة المؤمن بمواعيد ربه؛ سيمحو نهار حماس ليل الاستكبار؛ وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا!

 

المصدر: المركز الفلسطيني للإعلام 

تعليق الموقع:

 لا تجوز الإشارة إلى المسجد الأقصى بلفظ الحرم أو ثالث الحرمين لأنه ليس حرما في الإسلام، وإنما هو المسجد الأقصى المبارك، كما سماه الله تعالى، والذي يشمل كل ما داخل السور في الزاوية الجنوبية الشرقية من البلدة القديمة في القدس، ولا تسري عليه أحكام الحرم كحرمي مكة والمدينة.


للحصول على نشرة الأقصى الإلكترونية، يرجى التسجيل في القائمة البريدية للموقع:

alaqsa_newsletter-subscribe@yahoogroups.com

عودة