Message
قصة الأقصى
المرحلة الأولى: البناء
المرحلة الأولى: البناء الأول
من عهد آدم عليه السلام - إلى حوالي عام 1550 ق.م
هذه هي المرحلة الأولى في تاريخ المسجد الأقصى المبارك، وتمتد منذ بنائه الأول على يد آدم عليه السلام، وحتى أول انحدار معروف له تاريخيا في عهد فرعون مصر، وتشهد فيما بين ذلك بعثة أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام، ثم إسحاق ويعقوب ويوسف عليهم الصلاة والسلام، ولتتعاقب عليها أقوام اليبوسيين، والكنعانيين، والهكسوس.

جاء بناء المسجد الأقصى المبارك فوق هضبة موريا Moriah بالقدس القديمة، ليصبح ثاني بيت وضع للناس لعبادة الله تعالى، بعد أربعين عاما من بناء البيت الأول، المسجد الحرام بمكة، كما نص على ذلك الحديث الشريف.
- عن أبي ذر الغفاري -رضي الله تعالى عنه- قال: قلت: (يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ فِي الْأَرْضِ أَوَّلَ؟ قَالَ: الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ، قَالَ: قُلْتُ ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: الْمَسْجِدُ الْأَقْصَى، قُلْتُ: كَمْ كَانَ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: أَرْبَعُونَ سَنَةً، ثُمَّ أَيْنَمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلَاةُ بَعْدُ فَصَلِّهْ فَإِنَّ الْفَضْلَ فِيهِ.) صحيح البخاري/ حديث 3115 ترقيم العالمية
هذا الحديث الشريف حدد المدة الفاصلة بين بناء البيتين الحرام والمقدس بأربعين سنة، وهو ما يرجح أن يكون بانيهما نفس الشخص أو من نفس الجيل. واختلف في تحديد هذا الباني الأول على ثلاثة أقوال، فمن قائل انه آدم Adam عليه السلام أو أحد أبنائه، ومن قائل إنهم الملائكة، وذلك قبل وجود البشر على الأرض، ومن قائل إنه إبراهيم Ibrahim - Abraham عليه السلام. والمرجح هو أنه آدم، عليه السلام، بوحي من الله تعالى، لأن هذين البيتين إنما وضعا ليتعبد فيهما الناس، وليس الملائكة، بخلاف البيت المعمور في السماء، فناسب أن يبنيهما الناس. ثم إن إبراهيم عليه السلام إنما رفع قواعد البيت الحرام ولم يبنها ابتداء، كما نص القرآن الكريم، فلا يرجح أن يكون هو الباني الأول لأي من المسجدين الحرام أو الأقصى.
- قال تعالى: (رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ) إبراهيم37
- قال تعالى: (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ. رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) البقرة 127-128
ويرجح أن يكون البناء الأول للمسجد الأقصى قد اقتصر على وضع حدوده، وتحديد مساحته التي تتراوح بين 142 – 144 دونم (الدونم = ألف متر مربع). فكلمة المسجد، لغويا، هي اسم لمكان السجود، الذي هو من أهم وأخص أركان الصلاة والعبادة لله تعالى. وهذه الكلمة تشير، اصطلاحا، إلى أرض ذات مساحة محددة، تخصص للصلاة، وتحدد لها قبلة. وتشمل مساحة المسجد كل ما تحت هذه الأرض إلى سبع أرضين وما فوقها إلى سبع سماوات، ولا يشترط أن يكون المسجد بناء مقببا، أو غير مقبب.
وحدود المسجد الأقصى المبارك، والتي يدل عليها السور الحالي الذي يحيط به، لم يطرأ عليها، في الأغلب، أي تغيير منذ وضعت لأول مرة وحتى يومنا هذا. وبالرغم من تعرضه للهدم والتدمير عدة مرات، لعوامل شتى، نماما كما تعرض المسجد الحرام في مكة لمثل ذلك، فقد بقيت قواعد البيت الحرام، وبقيت أساسات سور البيت المقدس، يجددها المجددون على مر العصور.
ويعتقد كثير من الباحثين أن المسجد الحرام بمكة لم يزل معمورا حتى جاء زمن نوح Nuh - Noah عليه الصلاة والسلام، فاختفى مع الطوفان. واستمر الأمر على ذلك حتى بوأ الله تعالى لإبراهيم، عليه السلام، مكان هذا البيت فرفع هو وابنه إسماعيل Isma'il - Ishmael، عليهما السلام، قواعده. وكذلك المسجد الأقصى المبارك، فقد انقطعت أخباره في العهود البائدة من بعد آدم عليه السلام. واستمر الأمر على ذلك إلى أن هاجر إبراهيم عليه السلام إلى الأرض المباركة حول المسجد الأقصى، واتخذها مركزا لنشر دعوة التوحيد. ومنذ ذلك الحين، عمر هو وذريته من ابنه الثاني، النبي إسحاق Ishaq (Isaac)، ثم حفيده النبي يعقوب Ya'qub - Jacob (إسرائيل Israel)، عليهم جميعا الصلاة والسلام، ثم الأسباط twelve tribes (حفدة يعقوب)، المسجد الأقصى المبارك.
- قال تعالى: (وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطاً إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ) الأنبياء: 71
- قال تعالى: (فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلّاً جَعَلْنَا نَبِيّاً) مريم 49
- قال تعالى: (وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِّنَ الصَّالِحِينَ. وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِينٌ) الصافات 112-113
أما التاريخ، والذي لم يبدأ علميا إلا بعد أن عرفت الكتابة حوالي عام 3500 ق. م، فقد سجل قدوم اليبوسيين Jebusites، وهم بطن من بطون العرب الكنعانيين Canaanites (الذين استقروا بفلسطين، فعرفت باسمهم، أرض كنعان Canaan)، إلى القدس، وبناءهم لها خلال حوالي عام 3000 ق. م. وكانت القدس تعرف باسمهم، يبوس Jebus. ويعتقد أنها كانت تقوم في أول أمرها على تلال أوفل وسلوان الواقعة إلى الجنوب من المسجد الأقصى المبارك مباشرة. وتعد بعض الحجارة اليبوسية التي تظهر في أخفض زوايا سور البلدة القديمة بالقدس حاليا، وهي الزاوية الجنوبية الشرقية، أقدم الآثار الإنسانية في المدينة على الإطلاق، ولعلها تدل على أن اليبوسيين جددوا بناء هذا السور الذي يتحد مع سور المسجد الأقصى المبارك في هذه الناحية.
ويعتقد الباحثون أن هؤلاء اليبوسيين عرفوا ديانة التوحيد، الإسلام، لحرصهم على مجاورة المسجد الأقصى المبارك، وأيضا لاحتفائهم بهجرة نبي الله إبراهيم عليه السلام إليهم حوالي عام 1900 ق. م[1]. وتذكر التوراة المتداولة في يد اليهود حاليا أنه عليه السلام التقى ملكهم، مِلكي صادق Melchizedek، أو ملك السلام، وكان صديقا له. وهذا الملك هو الذي ينسب إليه الاسم الكنعاني للقدس، أور سالم Ūršalīm، أي مدينة سالم، أو مدينة السلام، وهو الاسم الذي اشتق منه الاسم Jerusalem الذي يستخدم في العالم الغربي للإشارة إلى القدس حاليا.

(المصدر: دورة علوم الأقصى الأولى على الإنترنت –د.عبدالله معروف)
ويؤكد القرآن الكريم في أكثر من موضع أن إبراهيم عليه السلام، وجميع الأنبياء من ذريته، ومن بينهم إسرائيل (يعقوب عليه السلام) والذي عاش هو وأبناؤه في الأرض المباركة لفترة من الزمن، إنما كانوا موحدين أسلموا وجوههم لله تعالى. وهو بهذا يقطع أية صلة دينية متوهمة بين تلك الأمة المسلمة التي خلت، وبين يهود ونصارى اليوم الذين يدعون الارتباط بها، وينسبون أنفسهم إليها، بل ويصر الصهاينة منهم على نسبة الكيان الغاصب الذي أقاموه في بيت المقدس مؤخرا إلى نبي الله إسرائيل عليه السلام.
- قال تعالى: (وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ. إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ. وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ. أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـهَكَ وَإِلَـهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَـهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ. تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ. وَقَالُواْ كُونُواْ هُوداً أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُواْ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. قُولُواْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ.) البقرة 130-136
- قال تعالى: (أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطَ كَانُواْ هُوداً أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللّهُ) البقرة 140
- قال تعالى: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَآجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنزِلَتِ التَّورَاةُ وَالإنجِيلُ إِلاَّ مِن بَعْدِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ. يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَآجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنزِلَتِ التَّورَاةُ وَالإنجِيلُ إِلاَّ مِن بَعْدِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ. هَاأَنتُمْ هَؤُلاء حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ. مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَـذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَاللّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ) آل عمران 65 -68
- قال تعالى: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) النحل 120
- قال تعالى: (وَلَقَدْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً وَقَالَ اللّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللّهَ قَرْضاً حَسَناً لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ) المائدة 12
وبين حوالي عامي 1800 – 1600 ق. م [2] عرفت أرض فلسطين الهكسوس Hyksos، أو "الحكام الأجانب"، باللغة المصرية القديمة. وهؤلاء كانوا بدوا استقروا في مصر، وأقاموا مملكة في شمالها، ولكنهم لم يدينوا بدين المصريين القدماء، الذين كان أكثرهم يؤلهون حكامهم, ويتعبدون للشمس والقمر، ولبعض الحيوانات كالثور والبقرة والقردة. ولعل بعثة نبي الله يعقوب ثم ابنه النبي الكريم يوسف Yusuf - Joseph، عليهما الصلاة والسلام، قد حدثت خلال هذه الفترة. حيث يشير القرآن إلى حكام مصر في عصر نبي الله يوسف بلفظ "ملك"، وليس "فرعون"، والذي يستخدمه عند ذكر حكام مصر في عصر لاحق، هو عصر النبي موسى Musa - Moses عليه السلام.
- قال تعالى: (وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مِكِينٌ أَمِينٌ) يوسف54
وهكذا كان دخول يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام إلى مصر بعد أن تآمر عليه إخوته. فدعا إلى الله فيها، وواجه فساد المجتمع، حتى وصل إلى أرفع المناصب، وهو منصب العزيز (كبير الوزراء).
- قال تعالى حكاية عن يوسف عليه السلام: (يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ) يوسف39
ثم انتقل إليها أبوه يعقوب عليه السلام وأولاده، بعدما أصاب الجدب أرضهم جنوبي بادية النقب بفلسطين، ليعمل الجميع على نشر دين الله، الإسلام، بين أهل مصر، باعتبار أن رسالة الإسلام، رسالة التوحيد الخالص لله تعالى، هو الدين الذي دعا إليه كل الأنبياء عبر التاريخ[3].
- قال تعالى: (فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَاء اللّهُ آمِنِينَ) يوسف 99
- وقال تعالى حكاية عن مؤمن آل فرعون (وَلَقَدْ جَاءكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَاءكُم بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولاً كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ) غافر 34
ومن هذا العرض يتبين كيف عرفت منطقة بيت المقدس نور الهداية منذ بدء الخليقة، وتعاظمت بركتها وقدسيتها بهجرة نبي الله إبراهيم، عليه السلام، إليها. ومن ثم، امتد النور والبركة منها إلى مصر القديمة، التي تعد من أولى الحضارات في العالم.
[1] محسن محمد صالح، الطريق إلى القدس،(القاهرة، مركز الإعلام العربي،2003م)، ص: 20
[2] المرجع السابق
[3] جمال عبد الهادي، مقال بعنوان "الإسلام هو الحل : رؤية تاريخية"، موقع التاريخ
المرحلة الثانية: العلو الفرعوني
المرحلة الثانية: العلو الفرعوني وتسلط الجبارين
من حوالي 1550 ق.م - حوالي 1000 ق.م
هذه المرحلة شهدت تسلط فرعون مصر ثم الجبارين (العمالقة) على الأرض المباركة، وبعثة موسى وهارون عليهما السلام إلى بني إسرائيل، الأمة المسلمة آنذاك، لتحريرها، وهو الهدف الذي تأخر تحقيقه لبعض الوقت بسبب ضعف إيمانهم.

خلال العقد 1550 ق.م تقريبا، بدأ عصر الدولة المصرية الثالثة (الحديثة)، والتي تعتبر أقوى وأهم الممالك المصرية القديمة. فبعد أن هزم حاكمها الأول، أحمس الأول، الهكسوس، أصبحت تسيطر على مصر كلها، ثم توسعت شمالا. وفي عهد ملكها تحتمس الثالث، الذي تولى الحكم حوالي عام 1479 ق.م، وكان أول حاكم مصري يلقب بالفرعون [1] pharaoh، بلغت الدولة المصرية أقصى اتساع لها فامتدت من الأناضول شمالا إلى القرن الإفريقي جنوبا، وخضعت القدس (يبوس - أورسالم) بذلك للحكم الفرعوني المباشر.
ولكن غالبية المصريين القدماء لم يكونوا في ذلك الحين يؤمنون بالإله الواحد الأحد، رغم أن يوسف عليه السلام جاءهم من قبل بالبينات، بل إن قسما منهم اتخذوا حكامهم الذين تسموا بالفراعنة آلهة. فاتسم حكمهم بالإفساد والعلو في الأرض، وعم الظلام الأرض المباركة.
- قال تعالى: (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ. وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ. وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ) القصص 4-6

وخضع بنو إسرائيل Children of Israel/ Israelites الذين كانوا يمثلون أمة الرسالة في ذلك الحين لهذا الحكم الظالم. وسامهم الفراعنة سوء العذاب، فكانوا يقتلون أبناءهم ويستبقون نساءهم للخدمة. وإزاء هذا البلاء الذي وصفه الله تعالى بالعظيم، كان من بين هذه الأمة المسلمة من تمسك بدينه، مثل آل موسى (Musa - Moses) وهارون (Harun - Aaron)، عليهما السلام، ومنهم من تأثر بفرعون وقومه، فبغى، مثل قارون، بينما طغت المادية على حياة الكثيرين منهم، وفقدوا عزتهم.
- قال تعالى: (إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ) القصص 76
- قال تعالى: (فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) القصص 79
ومع عظم البلاء، جاء عظم المنحة، فبعث الله تعالى موسى عليه السلام، والذي نجى من بطش عدوه فرعون مصر، رغم أنه نشأ في بيته، وبعث معه أخاه هارون عليه السلام، لإخراج بني إسرائيل من العذاب المهين، وقيادتهم إلى أرض النجاة والأمل، أرض بيت المقدس.
- قال تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ) إبراهيم 5
- قال تعالى: (أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ) الشعراء 17
واستكبر فرعون وجنوده، ورفض دعوة موسى وأخيه عليهما السلام، فأهلكهم الله بآية عظيمة شهدها بنو إسرائيل بأعينهم، وهي آية فلق البحر. وخرج موسى عليه السلام ببني إسرائيل من مصر إلى سيناء قاصدا الأرض المقدسة، حيث المسجد الأقصى المبارك، وكان ذلك إيذانا بزوال ملك آل فرعون.
- قال تعالى: (وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوَءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلاءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ. وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ) البقرة 49-50
- قال تعالى: (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنجَيْنَاكُم مِّنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى) طه 80
- قال تعالى: (وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُواْ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ) الأعراف 137

مسار خروج نبي الله موسى عليه السلام ببني إسرائيل من مصر (المصدر: دورة علوم الأقصى الأولى على الإنترنت –د.عبدالله معروف)
ولعل رسائل تل العمارنة Amarna letters ، والتي شملت مداولات بين الإدارة المصرية، خاصة في عهد إخناتون الذي حكم مصر خلال العقد 1330 ق. م، من جهة، وممثليها في أرض كنعان، ومنهم عبد حيبا، من جهة أخرى، تدل على بداية تعرض الحكم الفرعوني للأرض المباركة للانحسار في تلك الفترة. حيث تضمنت هذه المراسلات مطالبات لحكام مصر بتوفير الحماية لهذه الأرض من الأعداء الذين يعتقد أنهم كانوا من الحيثيين أو الهكسوس أو العبرانيين.
فمع ضعف دولة الفراعنة وانحسار حكمهم المباشر للأرض المباركة، انتقلت مقاليد الأمور فيها إلى قبائل تعرف بقبائل "بلستيا" Philistines، قدمت من جهة البحر المتوسط، ومن جزر كريت في بحر إيجه، واستوطنت المنطقة. ويعتقد أن الاسم "فلسطين" Palestine نسبة إليهم. وباندماج هذه القبائل بأهل بيت المقدس من اليبوسيين والكنعانيين، الذين كانوا قد عرفوا ملة إبراهيم عليه السلام من قبل، ولكنهم انحرفوا عنها، اتسم حكمهم لهذه الأرض بالفساد، وعرفوا جميعا بالعمالقة Amalekites.
ورغم تعدد نعم الله على بني إسرائيل، الأمة المسلمة آنذاك، والموكلة بتحرير الأرض من نير الظلم والفساد، إلا أن عصيانهم لموسى عليه السلام بعد خروجهم من مصر تكرر لأكثر من مرة، على ما فصله الله تعالى في سورة البقرة، وفي كثير من سور القرآن الكريم، وكأنما أفسد الذل الذي سامهم إياه فرعون نفوسهم، فجبلت على الإعراض عن المعالي. وكان من أبرز مظاهر عصيانهم وجحودهم للعهد مع الله تعالى عبادتهم العجل من دونه تعالى، ثم جبنهم عن دخول الأرض المباركة وتحريرها وتحرير البيت المقدس من براثن العمالقة (والذين أشار إليهم القرآن الكريم باسم الجبارين).
- قال تعالى: (يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ. قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىَ يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ) المائدة 21 – 22
وتألم موسى عليه السلام كثيرا لهذا الجحود والعصيان، ولبقاء المسجد الأقصى محروما من وصال المؤمنين، دون أن تمتد إليه يد لتعميره أو إزالة المظالم حوله، فلجأ إلى ربه يدعوه أن يفرق بينه وبين القوم الفاسقين. وكتب الله عليهم التيه أربعين سنة، وذلك في أرض سيناء على الأرجح، حتى ينشأ جيل جديد لم يفسده الذل.
- قال تعالى: (قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ) المائدة 26
ومات هارون عليه السلام في التيه. وبانتهائه، قاد موسى عليه السلام الجيل الجديد من بني إسرائيل الأكثر إيمانا نحو الأرض المقدسة، من جهة الأردن، ولكنه أيضا مات قبل أن يدخلها. ويروي الحديث الشريف أنه دعا الله تعالى أن يدنيه منها عند موته، فاستجاب عز وجل له.
- عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: (أُرْْسِلَ مَلَكُ الْمَوْتِ إِلَى مُوسَى عَلَيْهِمَا السَّلَام فَلَمَّا جَاءَهُ صَكَّهُ فَرَجَعَ إِلَى رَبِّهِ فَقَالَ أَرْسَلْتَنِي إِلَى عَبْدٍ لَا يُرِيدُ الْمَوْتَ فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ عَيْنَهُ وَقَالَ ارْجِعْ فَقُلْ لَهُ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى مَتْنِ ثَوْرٍ فَلَهُ بِكُلِّ مَا غَطَّتْ بِهِ يَدُهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ سَنَةٌ قَالَ أَيْ رَبِّ ثُمَّ مَاذَا قَالَ ثُمَّ الْمَوْتُ قَالَ فَالْآنَ فَسَأَلَ اللَّهَ أَنْ يُدْنِيَهُ مِنْ الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ رَمْيَةً بِحَجَرٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَوْ كُنْتُ ثَمَّ لَأَرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ إِلَى جَانِبِ الطَّرِيقِ عِنْدَ الْكَثِيبِ الْأَحْمَرِ.) صحيح البخاري/ حديث 1253 ترقيم العالمية
وبعد وفاة موسى عليه السلام، بعث الله تعالى نبيا آخر (تذكر التوراة المتداولة حاليا بيد اليهود والنصارى أن اسمه يوشع Joshua) قاد بني إسرائيل باتجاه الأرض المباركة، فعبر نهر الأردن حوالي عام 1190 ق. م، بحسب المصادر التاريخية[2]، وفتح أريحا.
- عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إِنَّ الشَّمْسَ لَمْ تُحْبَسْ لِبَشَرٍ إِلَّا لِيُوشَعَ لَيَالِيَ سَارَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ) مسند أحمد/ 7964
ولكن بني إسرائيل جددوا عصيانهم، وخالفوا توجيهات الله تعالى لهم بطلب المغفرة عند فتح القرى، فكفروا بنعمة الله عليهم بدلا من شكرها. وهذا الموقف استتبع تأخر دخولهم بيت المقدس لسنوات طوال خلال ما يسمى بعصر القضاة، والذي اتسم بالفوضى والانحلال.
- قال تعالى: (وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُواْ هَـذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ. فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزاً مِّنَ السَّمَاء بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ) البقرة 58- 59
ويحفل القرآن الكريم بقصص بني إسرائيل، في حياة موسى عليه السلام، ويفصل مظاهر عصيانهم لله ورسوله في كثير من آياته، وهو ما يشكك في صدق إيمانهم بهذا النبي الكريم وولائهم لبيت الله المقدس، ويكذب دعاوى اليهود الحاليين بهذا الشأن. كما أن هذا التفصيل لهذه القصة العظيمة يؤكد ارتباط النصر والفتح بقوة الإيمان والعقيدة والطاعة لله ورسله في نفوس الأمة المسلمة في أي وقت وحين، فضلا عن تأكيد ارتباط الأمن والسلام في العالم أجمع بسيادة العقيدة الصحيحة والمنهج القويم على هذه الأرض المباركة.
[1] موسوعة ويكيبيديا http://en.wikipedia.org/wiki/Thutmose_III_of_Egypt
[2] د. محسن محمد صالح، ، الطريق إلى القدس،(القاهرة، مركز الإعلام العربي،2003م)، ص: 27 . أو سنة 1189 ق. م عند عارف باشا العارف، في كتابه تاريخ القدس، دار المعارف، القاهرة، الطبعة الرابعة 2002م
المرحلة الثالثة: فتح داود عليه السلام
المرحلة الثالثة: فتح داود عليه السلام
من حوالي سنة 1000 ق.م - حوالي سنة 920 ق.م
هذه المرحلة من أهم وأبرز مراحل الازدهار في تاريخ المسجد الأقصى المبارك، وشهدت انتقال بني إسرائيل من العصيان إلى الطاعة، ودخولهم بيت المقدس بقيادة داود عليه السلام، حيث أقاموا خلافة مسلمة عظيمة جدد خلالها بناء المسجد الأقصى.

استمر فشل بني إسرائيل من بعد موسى عليه السلام في إتمام فتح الأرض المقدسة لسنوات طويلة، فأيقنوا أن طاعة الله ورسله والجهاد في سبيله هو الطريق الوحيد للخروج من الذل الذي حل بهم، ولمواجهة أعداء الله الذين أخرجوهم من ديارهم. ولجأ الملأ منهم إلى نبي لهم ليدعو الله حتى يبعث إليهم ملكا يقاتلون معه لتحرير الأرض المباركة، وفتح بيت المقدس. ويحكي القرآن تفاصيل هذه الملحمة العظيمة التي مر بها بنو إسرائيل حتى استحقوا النصر على القوم الجبارين (العمالقة)، في سورة البقرة.
- قال تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُواْ قَالُواْ وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ) البقرة 246
ومن أبرز تفاصيل هذه الملحمة أن قرار الجهاد اتخذ على أعلى المستويات في بني إسرائيل، ولكن كان لابد من الثبات على خطوات تنفيذه، وهو ما احتاج إلى تمحيص متكرر، حتى ظهرت من بينهم الفئة القليلة المؤمنة التي حقق الله النصر على يديها. فقد تولوا إلا قليلا منهم بعد أن كتب عليهم القتال، كما ورد في الآية القرآنية السابقة، مما أدى إلى وصم هؤلاء المعرضين بالظالمين.
ثم مر هؤلاء الذين ثبتوا في هذا الاختبار الأول باختبار آخر أشد صعوبة لدى اختيار طالوت (تطلق عليه التوراة المتداولة حاليا بيد اليهود والنصارى اسم شاول Saul) ملكا عليهم. فقد اعترضوا عليه، وبرروا ذلك بأنه لم يؤت سعة من المال. ومرة أخرى، لم ينجح إلا البعض في هذا الاختبار، بعد أن وثقوا باختيار الله تعالى لمن أوتي بسطة في العلم والجسم.
وبعد أن سار الناجحون في هذا الاختبار الثاني مع الملك طالوت، أمرهم بعدم الشرب من نهر مروا عليه، رغم أنهم عطاش، إلا جرعات قليلة. ولم يلبث غالبية القوم أن فشلوا في هذا الاختبار الجديد، ولم يثبت منهم إلا القليل الذين وصفهم الله بالإيمان. ثم مر هذا القليل بتجربة أخيرة هي ملاقاة جالوت Goliath ملك الجبارين في جنوده وجها لوجه. وهنا، لم يثبت إلا من يوقنون بالآخرة يقينا جازما، فدعوا الله تعالى أن يثبتهم وينصرهم على القوم الكافرين، وجاء النصر منه تعالى.وبرز من القلة المجاهدة داود David، عليه الصلاة والسلام، فقتل جالوت، ملك الجبارين، وانتصر المؤمنون. وآتى الله عبده داود الملك والحكمة، وآتاه علما، وأنزل عليه كتابا هو الزبور Psalms، وسخر معه الجبال والطير يسبحن، وألان له الحديد، فكان يعمل بيده، ووصفه الله تعالى بالعبد الأواب ذي القوة في العبادة.
- قال تعالى: (اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ) ص 17
بعد أن تولى داود عليه السلام الملك، تمكن من فتح القدس حوالي عام 995 ق. م. [1]، فوسعها، وعمرها، وجعلها عاصمة لملكه، لتشهد هي ومسجدها المبارك عهدا ذهبيا امتد حتى نهاية عهد ابنه سليمان عليهما السلام، واعتبر أبرز عهد لها عرفه التاريخ القديم.
ويزعم الصهاينة اليوم، والذين ينسبون أنفسهم لداود عليه السلام، أنه أسس نواة القدس الأولى التي يعتقد أنها كانت على تلال أوفل وسلوان المحاذية للسور الجنوبي للبلدة القديمة بالقدس حاليا. ولذا، يطلقون على سلوان التي تعتبر البوابة الجنوبية للمسجد الأقصى المبارك اسم "مدينة داود City of David". والصحيح أن اليبوسيين العرب كانوا أول من أسس القدس في هذه المنطقة لوجود عين سلوان بها، وهو ما تدل عليه الحجارة اليبوسية التي لا تزال موجودة فيها. أما داود عليه السلام، فتمثل دوره في فتحها واتخاذها عاصمة لمملكته التي امتدت لتشمل كل أراضي فلسطين، للمرة الأولى في حياة أتباع التوحيد من بني إسرائيل.
حجارة يبوسية في الجهة الجنوبية من المسجد الأقصى المبارك تثبت أن داود عليه السلام لم يكن أول من بنى مدينة القدس– المصدر: موقع ويكيبيديا
وبعد وفاة داود حوالي عام 963 ق. م. [2]، ورثه ابنه سليمان Solomon، عليهما السلام، من حيث النبوة والملك، بإذن الله تعالى. واتسع ملك النبي الكريم، سليمان عليه السلام، فشهد حركة بناء وعمران ضخمة ارتبطت بالصروح والمحاريب، وبلغ شأوا عظيما يعجز عن إدراكه البشر. فقد علمه الله تعالى منطق الطير، وسخر له الريح والجن، وأسال له عين القطر. وكان ملكه عليه السلام معجزة على نبوته، ولم يكن سحرا أو كفرا، كما ادعت يهود. فقد نفى الله تعالى عنه ذلك، ووصفه بالعبد الأواب، كما وصف أباه داود من قبل.
- قال تعالى: (وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ) الأنبياء 81
- قال تعالى: (وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ. يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ) سبأ 12-13
وامتد نفوذ مملكة سليمان عليه السلام إلى سبأ Sheba في اليمن جنوبا، فدخلها الإسلام على شريعة موسى عليه السلام، وأسلمت معه ملكتها، كما يحكي القرآن الكريم.
- قال تعالى: (قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ مِّن قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) النمل 44
وكان طبيعيا أن تمتد آثار النبوة والملك العظيم اللذين اجتمعا لسليمان عليه السلام، إلى المسجد الأقصى المبارك الذي كان قد بناه لأول مرة آدم عليه السلام أو أحد أبنائه على الأرجح. فقد جدده سليمان عليه السلام تجديدا يليق بملكه، كما يؤكد الحديث الشريف.
- عن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (لَمَّا فَرَغَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ مِنْ بِنَاءِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سَأَلَ اللَّهَ ثَلَاثًا حُكْمًا يُصَادِفُ حُكْمَهُ وَمُلْكًا لَا يَنْبَغِي لَأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ وَأَلَّا يَأْتِيَ هَذَا الْمَسْجِدَ أَحَدٌ لَا يُرِيدُ إِلَّا الصَّلَاةَ فِيهِ إِلَّا خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَّا اثْنَتَانِ فَقَدْ أُعْطِيَهُمَا وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ قَدْ أُعْطِيَ الثَّالِثَةَ.) سنن ابن ماجه/ حديث 1398 ترقيم العالمية
ويلاحظ في هذا الحديث أن الإشارة إلى المسجد الأقصى المبارك وردت باسم "بيت المقدس". وهذا الاسم في الحقيقة هو الترجمة العربية الفعلية للفظة العبرية "بيت هاميكداش"، التي يطلقها اليهود على هذا المسجد المبارك. أما الترجمة المتداولة لهذه الكلمة العبرية إلى معبد أو هيكل بالعربية، فهي مأخوذة عن الكلمة الإنجليزية Temple، والتي جاءت بدورها من ترجمة اليونانيين والرومانيين القدماء لكلمة "بيت المقدس" إلى "معبد"، إذ أن مفهوم بيوت الله ليس مألوفا لديهم.
ويعتقد بعض الباحثين، وخاصة الدكتور عبدالله معروف، صاحب كتاب "المدخل إلى دراسة المسجد الأقصى المبارك"، أن اختفاء آثار هذا التجديد العظيم للأقصى، والذي تم في عهد سليمان عليه السلام، رغم الحفريات الكثيرة التي أجراها الأثريون في المسجد المبارك وما حوله، يعتبر استجابة من الله تعالى لدعوة هذا الرسول الكريم بأن يؤتيه ملكا لا ينبغي لأحد من بعده. فهذا الملك لا ينبغي لأحد من بعده أن يحوز مثله، ولا حتى أن يدرك كنهه.
- قال تعالى: (قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ) ص 35
وهكذا .. حكم بنو إسرائيل المصطفون الأرض المباركة، في عهد النبيين الكريمين والملكين العظيمين، داود وسليمان عليهما السلام، حكما عادلا وآمنا، امتد حوالي 80 عاما، حتى وفاة سليمان عليه السلام عام 923 ق. م.[3] .
ويزعم الصهاينة اليوم، وكثير منهم من اليهود، أنهم وارثي ملك داود وسليمان عليهما السلام، ويسعون، بناء على ذلك الزعم، إلى هدم المسجد الأقصى المبارك ببنائه الحالي، وطمس المعالم الإسلامية في القدس المباركة، وإخراج أهلها منها. ولكن الحقيقة أنهم لا يمتون بصلة لتلك الأمة التي خلت من بني إسرائيل، ولا لهذه الأرض المباركة. فقد نبذوا النبوة والكتاب، وزعموا أن داود وسليمان، عليهما السلام، كانا ملكين لا نبيين، ونسبوا الكفر والسحر إلى سليمان عليه السلام، وحرفوا شريعة موسى عليه السلام، وقتلوا فريقا من أنبيائهم، وكذبوا فريقا آخر.
- قال تعالى: (وَلَمَّا جَاءهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ كِتَابَ اللّهِ وَرَاء ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ. وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَـكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ ..) البقرة 102
ولا شك أن النصر والتمكين حليف الصادقين من أتباع الأنبياء، في كل وقت وحين، وان اللعنة هي نصيب الكافرين على مر الدهور، كما ورد على لسان داود عليه السلام، وفي الكتاب الذي أوتيه.
- قال تعالى: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ) الأنبياء 105
- قال تعالى: (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ) المائدة 78
[1] د. محسن محمد صالح، ، الطريق إلى القدس،(القاهرة، مركز الإعلام العربي،2003م)، ص: 32.
[2] المصدر السابق، ص: 32- 33
[3] المصدر السابق، ص: 33
المرحلة الرابعة: العلو الروماني
المرحلة الرابعة: تكالب أمم كافرة على الأرض المباركة قبل البعثة الخاتمة
من حوالي سنة 923 ق.م - حوالي سنة 623م
امتدت هذه المرحلة الأطول والأشد حلـكة من تاريخ الأرض المباركة لأكثر من 15 قرنا مع تحول بني إسرائيل إلى العصيان وإلى الكفر، ومع تداول الآشوريين، والفراعنة، والبابليين، والفرس، واليونانيين، ثم الرومان فالبيزنطيين السيطرة عليها. فخيم الظلام على المسجد الأقصى المبارك إلا من أنوار أنبياء بعثهم الله إلى بني إسرائيل في ذلك الحين لإنذارهم قبـل استبدالهم، منهم زكريا ويحيى وعيسى وإلياس عليهم الصلاة والسلام.

80 عاما فقط كان عمر الدولة الأولى والأخيرة التي أقامها أتباع التوحيد من بني إسرائيل على كل أراضي فلسطين. فبعد وفاة سليمان بن داود عليهما السلام (حوالي عام 923 ق. م)، عادت الحالة الإيمانية لدى غالبية بني إسرائيل (الأمة التي فضلها الله على العالمين في ذلك الوقت) إلى التدهور، فعصوا الله تعالى، واعتدوا على أنبيائه الذين توالوا فيهم. وكان عاقبة ذلك أن ضربت عليهم الذلة والمسكنة، فانقسمت المملكة التي كان داود وسليمان قد أقاماها على التقوى، وخضعت للممالك المجاورة بدرجة تفاوتت بحسب قوة هذه الممالك وضعفها، وعانى بيت المقدس من سيطرة أمم كافرة، وضياع هويته الموحدة، لفترات لم تكن بالقصيرة.
- قال تعالى: (وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَآؤُوْاْ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ) البقرة 61
وبحسب الروايات اليهودية، جاء انقسام مملكة سليمان عليه السلام المؤمنة بعد وفاته إلى مملكة إسرائيل Israel في الشمال، وعاصمتها نابلس (كانت تعرف يومئذ باسمها الكنعاني "شكيم" Shechem)، ومملكة يهوذا Judah في الجنوب، وعاصمتها القدس (كانت تعرف باسمها الكنعاني "أورشليم") حيث المسجد الأقصى المبارك. واستمر الصراع محتدما بين المملكتين لقرون، فضعفت كل منهما، وأصبحت نهبا لجيرانها سواء من الفراعنة Pharaohs في مصر، أو من الآشوريين Assyrians، ثم البابليين Babylonians في العراق. فقد استحل فراعنة مصر أورشليم عدة مرات، واستولوا على ما فيها، وكان منهم الفرعون شيشق Shishaq الذي دخلها أواخر القرن 10 قبل الميلاد. وأخيرا، سقطت مملكة إسرائيل بعد قرنين، على يد الآشوريين (حوالي عام 721 ق.م)، بينما سقطت مملكة يهوذا بعد أربعة قرون، على يد البابليين (حوالي عام 586 ق. م).
وتسهب المصادر اليهودية في الحديث عن مظاهر تخريب الملك البابلي نبوخذ نصر Nebuchadnezzar II للمدينة المقدسة، وعن تدميره المسجد الأقصى المبارك الذي كان قد جدده سليمان عليه السلام (ويطلق عليه بالعبرية اسم "البيت"، بينما يطلق عليه الصهاينة الذي يحتلون الأرض المباركة حاليا اسم "المعبد" أو "الهيكل" زورا ويعتبرون أن سليمان أول من بناه). وتذكر هذه المصادر أن أهل المدينة تم نفيهم إلى بابل، فيما يعرف بالسبي البابلي. ويعتقد أن المنفيين في بابل من بني إسرائيل بدءوا عندئذ، ولأول مرة، في تدوين التوراة المتداولة اليوم (بعد مرور حوالي 7 قرون على نزولها على موسى عليه السلام).
دالت دولة بابل، وضعفت، فما لبث الفرس Persians أن سيطروا عليها وعلى الأراضي التابعة لها (حوالي عام 539 ق.م)، فسمح ملكهم كورش Cyrus لبني إسرائيل بالعودة إلى أورشليم. وتذكر المصادر اليهودية أن بعضهم عاد بالفعل، وأسس مملكة يهوذا مرة أخرى، وأعاد بناء البيت المقدس (يطلقون عليه بالعبرية "البيت الثاني" ويعتبرونه البناء الثاني للمسجد). وكان يعهد بالحكم في تلك المملكة لسبط يهوذا، والذي اعتبر أهم الأسباط [1] الاثني عشر، أبناء إسرائيل عليه السلام، فسميت المملكة بهذا الاسم، وإليه أيضا ترجع تسميتهم المعروفة تاريخيا باليهود Jews. والأرجح أن بني إسرائيل تمتعوا بنوع من الحكم الذاتي تحت الهيمنة الفارسية، ولكنهم لم يتمكنوا من استعادة كيانهم السياسي.
تعاقبت الأيام، ودالت دولة الفرس بدورها، فاحتل اليونانيون Greek فلسطين، وخضعت للإسكندر المقدوني Alexander the Great (حوالي عام 332 ق.م)، ثم لخلفائه البطالمة Ptolemaics، ثم للسلوقيين Seleucids. وفي عهد كل من الإسكندر والبطالمة، عاش بنو إسرائيل في أورشليم كإحدى الطوائف الدينية التي يرأسها حاكم من طائفتها. أما في عهد السلوقيين، فقد حاول هؤلاء الحكام الجديد فرض عبادة معبودهم "زيوس" على بني إسرائيل، ونصبوا التماثيل في البيت المقدس، فثار الأخيرون، وتمكنت طائفة منهم تشير إليها المصادر اليهودية باسم "المكابيين Maccabees" من الحصول على الاستقلال السياسي لفترة قصيرة (بين عامي 163 ق.م - 63 ق. م تقريبا).
وتحتفي المصادر اليهودية بهذه الفترة من الحكم الذي تداوله المكابيون وراثة، وتطلق على دولتهم اسم مملكة الحشمونائيم Hasmonean kingdom، وتذكر أن هذه الفترة شهدت صك النقد المعروف بالشيكل، وبناء قلعة في الزاوية الشمالية الغربية من المسجد الأقصى المبارك، في موضع المدرسة العمرية القائمة اليوم[2].
ولم يلبث هؤلاء المكابيون أن عادوا للصراع على الحكم، فانتهز القائد الروماني بومبي Pompey الفرصة، وحاصر القدس، واحتلها عام 63 ق. م، بعد أن قتل من سكانها خلقا كثيرا، لتخضع المدينة منذ ذلك الحين، ولنحو ستة قرون تالية، لحكم الرومان ثم خلفائهم البيزنطيين.
مالت سياسة الرومان مع بني إسرائيل بين المال يغدقونه على رؤسائهم ليتحكموا بدورهم في رقاب الناس، وبين السيف يعملونه في رقاب من يثورون. وتميزت القدس في عصرهم بكثرة الثورات، والتي كثيرا ما تبعتها مذابح للسكان، ومن ضمنهم بنو إسرائيل، إضافة إلى تدمير المدينة الجليلة بسورها وبيتها المقدس.
كان من أوائل وأبرز الحكام الذين عينهم الرومان لحكم الأرض المباركة وسياسة بني إسرائيل الداهية هيرودس Herod the Great (حوالي عام 37 ق.م). وهو آدومي، أعلن أنه يهودي، واستأصل شأفة المكابيين، ثم حاول أن يوفق بين بني إسرائيل والرومان، ولما فشل في مهمته، شايع الرومان. ولاستمالة بني إسرائيل، اهتم هيرودس بإقامة منشئات عمرانية في أورشليم، فجدد بناء البيت المقدس (حوالي عام 20 ق.م)، كما أقام قلعة عظيمة بباب الخليل (يطلق عليها الصهاينة الآن اسم "قلعة داود" رغم أن مشيدها هو هيرودس).

قلعة هيرودس بباب الخليل في البلدة القديمة (يطلق عليها الصهاينة اسم قلعة داود زورا)
بهذا، فقد بنو إسرائيل كل سيطرة سياسية، ولو ذاتية، على أورشليم، بينما بقيت لهم سيادة دينية على البيت المقدس. غير أن هذه السيادة الدينية لم تكن أكثر من مظهر ديني خلا من روح الإيمان، بعد أن نقض بنو إسرائيل الميثاق مع الله تعالى. وتذكر الروايات اليهودية الكثير عن مظاهر انتشار الفساد والانحلال، حتى إن عبادة الأوثان، ومن بينها بعل، معبود الكنعانيين، وجدت طريقها إلى هذه الأمة التي كانت مؤمنة. كما تقاتل الأحبار على الرئاسة الدينية، وكانوا لا يبالون بالجوع والقحط الذي يعاني منه الناس في سبيل مصالحهم، وانحطت الأخلاق، وكثرت الثورات، وأطلق عنان الشهوات والشرور. ويحكي القرآن الكريم جوانب كثيرة من مفاسد بني إسرائيل في هذه الفترة العاصفة من تاريخهم.
- قال تعالى: (وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنْ الْمُرْسَلِينَ. إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ. أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ. اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ) البقرة 123- 126
- قال تعالى: (لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلاً كُلَّمَا جَاءهُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقاً كَذَّبُواْ وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ. وَحَسِبُواْ أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُواْ وَصَمُّواْ ثُمَّ تَابَ اللّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ كَثِيرٌ مِّنْهُمْ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ) المائدة 70-71
ولكن، وقبل أن تحل سنة الاستبدال التام ببني إسرائيل، بعث الله تعالى إليهم ثلاثة من أنبيائه في وقت متزامن تقريبا، كان آخرهم هو رسوله وكلمته، عيسى بن مريم، Jesus of Nazareth عليه الصلاة والسلام، والذي ولد قبل وفاة هيرودس بسنة (حوالي عام 4م).
فقد بعث الله تعالى نبيه الكريم زكريا Zechariah عليه السلام، من أحد بيوت بني إسرائيل القليلة التي ظلت على إيمانها، وهم آل عمران الذين مدحهم عز وجل في كتابه العزيز لحرصهم على إنجاب ذرية طيبة تعبده تعالى وتطهر بيته المقدس، فكانوا مشعلا من نور بين ظلمات الكفر والجحود.
- قال تعالى: (إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ. ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ. إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) آل عمران 33- 35
ورزق الله تعالى نبيه زكريا بابنه النبي يحيى John the Baptist عليهما السلام، على كبر سنه فيما يشبه المعجزة، بعد أن دعاه ليهبه من لدنه ذرية طيبة، تيمنا بالرزق الذي ساقه عز وجل لمريم بنت عمران، أخت زوجه، والتي كانت أمها قد نذرتها للعبادة في بيت الله المقدس.
- قال تعالى: (وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ) الأنعام 85
- قال تعالى: (فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَـى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيّاً مِّنَ الصَّالِحِينَ) آل عمران 39
كما رزق الله تعالى مريم عليها السلام، سيدة نساء العالمين في ذلك الحين، بابنها، المسيح عيسى بن مريم عليه السلام، بلا أب، في معجزة حقيقية تشهد على نبوته، ليكون رسولا إلى بني إسرائيل، مصدقا لما بين يديه من التوراة، ومبشرا بالرسول الخاتم المبعوث إلى الخلق كافة محمد صلى الله عليه وسلم.
- قال تعالى: (وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللّهِ وَأُبْرِئُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِـي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ. وَمُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَطِيعُونِ) آل عمران 49-50
- قال تعالى: (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ) الصف 6
كانت بعثة هؤلاء الأنبياء الثلاثة رحمة ببني إسرائيل، واختبارا أخيرا لإيمانهم في نفس الوقت. فكان يحيى عليه السلام يعظهم داخل المسجد الأقصى المبارك، كما يفيد الحديث النبوي:
- عن الحارث الأشعري أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: (إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَمَرَ يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا عَلَيْهِمَا السَّلَام بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ أَنْ يَعْمَلَ بِهِنَّ وَأَنْ يَأْمُرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يَعْمَلُوا بِهِنَّ وَكَادَ أَنْ يُبْطِئَ فَقَالَ لَهُ عِيسَى إِنَّكَ قَدْ أُمِرْتَ بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ أَنْ تَعْمَلَ بِهِنَّ وَتَأْمُرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يَعْمَلُوا بِهِنَّ فَإِمَّا أَنْ تُبَلِّغَهُنَّ وَإِمَّا أَنْ أُبَلِّغَهُنَّ فَقَالَ يَا أَخِي إِنِّي أَخْشَى إِنْ سَبَقْتَنِي أَنْ أُعَذَّبَ أَوْ يُخْسَفَ بِي قَالَ فَجَمَعَ يَحْيَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ حَتَّى امْتَلَأَ الْمَسْجِدُ فَقُعِدَ عَلَى الشُّرَفِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَمَرَنِي بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ أَنْ أَعْمَلَ بِهِنَّ وَآمُرَكُمْ أَنْ تَعْمَلُوا بِهِنَّ أَوَّلُهُنَّ أَنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ لَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا..) مسند أحمد/ حديث 16542 ترقيم العالمية
كما يذكر الإنجيل الذي بين أيدي النصارى اليوم أن رسول الله عيسى عليه الصلاة والسلام أنكر على بني إسرائيل انحرافهم عن عبادة الله تعالى داخل المسجد الأقصى المبارك، وتحويلهم إياه إلى مكان للبيع والشراء، و"مغارة لصوص"، محذرا من أن هذا الانحراف هو نذير بتدميره.
فقد كذب القساة الذين ألفوا العناد والكفر والظلم الأنبياء الثلاثة، بل سعوا في قتلهم، إذ وشوا بهؤلاء المصلحين إلى حكامهم الرومان، فقتلوا نبي الله يحيى، ثم أباه زكريا عليهما السلام، كما تآمر كفار بنو إسرائيل على عيسى عليه السلام، حسدا له وكفرا برسالته، فحاول حاكمهم الروماني في ذلك الحين، بيلاطس Pilate، صلبه وقتله، إلا أن الله تعالى توفاه ورفعه إليه (حوالي عام 33م).
- قال تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ) البقرة 87
- قال تعالى: (فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بَآيَاتِ اللّهِ وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقًّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً. وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً. وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً. بَل رَّفَعَهُ اللّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزاً حَكِيماً. وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً) النساء 155- 159
ورغم وفاة عيسى عليه السلام، استمرت رسالته، إذ استمر أنصاره إلى الله، الحواريون apostles، في الدعوة إلى الله في أورشليم، وحققوا نجاحا، بينما استمر الكافرون من بني إسرائيل في التنكيل بالدعوة، خشية انتشارها، واضطهدوا النصارى المؤمنين، وحاولوا الفتك بالحواريين، مما اضطر الأخيرين للفرار إلى خارج أورشليم. غير أن الرومان سرعان ما انقلبوا على اليهود الكافرين الذين استحقوا غضب الله ولعنته وسوء العذاب إلى يوم القيامة، فشردوهم.
- قال تعالى: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ. وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ. فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ) الأعراف 167- 169
ففي أعقاب ثورة جديدة في الأرض المباركة، قام الإمبراطور الروماني تيطس Titus بتدمير أورشليم تماما عام 70م. وقتل من سكانها خلقا كثيرا، وأسر الكثيرين، وبيعوا كالرقيق، وأصاب اليهود على يديه ذل وهوان لم يعرف التاريخ لهما مثيلا.

رسم على قوس النصر بروما يسجل إخماد تيطس لثورة اليهود
ثم، بعد فترة من تدميرها، عاد اليهود إلى أورشليم وعادوا للثورة والفوضى مرة أخرى، فأمر الإمبراطور الروماني هدريان Hadrian بتدميرها ثانية عام 135م، وحرثها بالمحراث، وقتل منهم خلقا كثيرا. وأنشأ هدريان مدينة جديدة مكان أورشليم أسماها إيليا كابيتولينا Aelia Capitolina، ويعتقد أنه أقام فيها معبدا رومانيا في موضع المسجد الأقصى المبارك. وترك الرومان في المدينة كثيرا من آثار العمران، كالحصون، والطرق، ومنها طريق الكاردو في حارة الشرف [3] بالبلدة القديمة.

شارع الكاردو (أثر روماني في حي الشرف بالبلدة القديمة)
على أن النصارى لم يلبثوا أن انحرفوا بدورهم عن دين الله الحق، ونسوا حظا مما ذكروا به، مع طول العهد. فبسبب تأثرهم بالحضارات القديمة في المناطق التي تنقلوا إليها، ومنها الحضارتين الإغريقية والمصرية القديمة، مال بعضهم لاستخدام الفلسفات الوثنية لتفسير بعض المفاهيم الدينية التي غابت عن عقول الناس، وأدى هذا بمرور الوقت إلى انحرافهم عن فهم رسالة المسيح عليه السلام، واتخاذه إلها.
- قال تعالى: (وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ) المائدة 14
- قال تعالى: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا) النساء 171
وكما تفصل الآية القرآنية الكريمة، وكما حدث مع اليهود من قبل، أدى انحراف النصارى عن الميثاق إلى انقسامهم وانتشار العداوة بينهم. فما أن تبوأت المذاهب النصرانية المحرفة مكانة في الإمبراطورية الرومانية عندما اعتنقها الإمبراطور الروماني قسطنطين Constantine وأمه الملكة هيلانة Helena، حتى شرع القائمون عليها في فرض مذهبهم، واضطهاد مخالفيهم من النصارى فضلا عن اليهود، وفي طردهم من القدس.
وأقامت هيلانة في المدينة المقدسة كنيسة القيامة Church of the resurrection (تعرف أيضا بكنيسة القبر المقدس Church of Holy Sepulcher) حوالي عام 335م، وذلك فوق موضع الصلب المزعوم للمسيح عيسى بن مريم عليه السلام، بينما أهانت صخرة بيت المقدس، وجعلتها مطرحا للنفايات نكاية في اليهود الذين اتهموا بقتل عيسى.

كنيسة القبر المقدس (كنيسة القيامة) كما بدت في عام 1885م
وبعد وفاة قسطنين الأول الذي لقب بالعظيم، أو بالقديس قسطنطين، بنحو 50 عاما، وفي عام 395م، انقسمت الإمبراطورية الرومانية إلى إمبراطوريتين: بيزنطية شرقية وعاصمتها القسطنطينية Constantinople (بيزنطة Byzantium سابقا)، وغربية وعاصمتها روما Rome. ولم تلبث الكنيسة الرومانية الحاكمة أن انقسمت كذلك، فخضعت القدس (إيلياء) للكنيسة الشرقية في ظل الإمبراطورية البيزنطية.
وتضاعفت الانقسامات والخلافات الدينية بين رجال الديانة النصرانية، وتفاعلت معها تطلعات رجال السياسة، والذين حرصوا على استغلالها لتقوية نفوذهم وتعزيز سلطة دولتهم. وكان من هؤلاء الإمبراطور جستنيان Justinian والذي شهدت الإمبراطورية البيزنطية في عهده ازدهارا، فبنى العديد من الكنائس من بينها كنيسة باسم العذراء، والتي يعتقد أنه أقامها في إيلياء، في موضع الجامع القبلي الجنوبي بالمسجد الأقصى المبارك وذلك حوالي عام 530م.

خريطة من الفسيفساء لمدينة إيلياء في القرن السادس الميلادي وجدت في كنيسة بمدينة مادبا شرقي نهر الأردن

مجسم البلدة القديمة في العصر البيزنطي ويوجد في متحف القدس بقلعة هيرودس
ومع كثرة الانقسامات الدينية والسياسية، ومع إقدام البيزنطيين على ارتكاب فظائع في المدن الخاضعة لسيطرتهم لإجبار أهلها على اتباع كنيستهم، أثاروا حقد مختلف الشعوب، ومنهم أهل إيلياء عليهم. وأسهم هذا كله في ضعف الدولة البيزنطية، فانتهز أكاسرة الفرس الفرصة، واستولوا على إيلياء عام 614م، وعاد معهم عدد من اليهود. ولكن، لم يدم مكثهم فيها إلا لفترة وجيزة، إذ سرعان ما استعادها قيصر الروم هرقل Heraclius، وأيضا ليس لمدة طويلة، إذ أنه سيفقدها بعد ذلك بسنوات قليلة مع ظهور الرسالة الخاتمة.
- قال تعالى: (غُلِبَتِ الرُّومُ) الروم 2
لقد ضاعت معالم الدين الحق في الأرض المباركة بين اليهود والنصارى، الذين يفترض أنهم أهل الكتاب، وبين الوثنيين. فغمرت الأرض كلها، شرقها وغربا، بشعوبها كلها، عربها وعجمها، ظلمات الجاهلية والكفر والظلم. ولكن، وعلى حين فترة من الرسل، كان نور جديد يشرق على الأرض من أكناف البيت الأول، بيت الله الحرام. فقد بعث الله تعالى نبيه الأمي ورسوله الخاتم، محمدا صلى الله عليه وسلم، من أمة العرب، من نسل إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام، رحمة للعالمين، ليحرر به وبالأمة المسلمة الجديدة بيتيه الحرام بمكة والمقدس بالقدس من جديد.
وصدق الله تعالى وعده لنبيه عيسى عليه السلام بظهور أتباعه المؤمنين على الكافرين إلى يوم القيامة، وذلك ببعثة هذا النبي الحق وبالأمة المسلمة الجديدة التي اتبعته وآمنت بجميع الأنبياء والرسل الذين أرسلهم الله من قبله، لتبقى شاهدة على باقي الأمم بإذن الله حتى يوم القيامة.
- قال تعالى: (إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) آل عمران 55
[1] ويعود يهود اليوم بأصولهم إلى هؤلاء الأسباط، حيث يزعمون أنهم من نسلهم. غير أن تفرق بني إسرائيل في الأرض، وامتزاجهم بالكثير من الأجناس الأخرى، ودخول متحولين من هذه الأجناس في اليهودية يجعل من العسير قبول هذه الفرضية حاليا. ويلاحظ أن القرآن الكريم يفرق بين الإشارة إلى "اليهود" والإشارة إلى "بني إسرائيل". فيستخدم "بني إسرائيل" لوصف أمة الدعوة من أبناء يعقوب عليه السلام، مؤمنها وكافرها، خلال عصورها التاريخية الممتدة حتى البعثة المحمدية، بينما يستخدم "اليهود"، في مقابل "النصارى" غالبا، عند الحديث حول أتباع الديانتين اليهودية والنصرانية بعد تحريف تلك الدعوة.
[2] هذه المدرسة يحتلها الصهاينة حاليا، ويتخذونها موقعا متقدما للسيطرة على المسجد الأقصى المبارك، حيث يطلقون منها النار على المصلين في أوقات الاضطرابات، كما أقاموا تحتها مدخلا إلى نفق يمتد بطول السور الغربي للمسجد الأقصى المبارك يطلقون عليه اسم نفق الحشمونائيم.
[3] حوله المحتلون الصهاينة اليوم إلى حي يهودي.






